اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
82
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
الخوارزمي ، وقد لوحظ أنه رغما عن الطابع التنجيمى الغالب عليه فهو يعطى أحيانا تحديدات عن بطلميوس أدق من تلك التي يعطيها الخوارزمي 119 . ويقصد ياقوت في معجمه « بكتاب الملحمة » مصنفا معينا يرتفع إلى تراث علمي ذي مفهوم مستقل . ويجئ استعمال الكلمة عادة في صيغة الجميع « كتاب ( أو أبواب ) الملاحم » ويقصد به في الأدب العربي التعبير عن جميع ضروب التنبؤات التي ازدهرت في العالم الإسلامي ، خاصة التنبؤات ذات الطابع الأخروى أي المتعلقة بالعالم الآخر والتي نشأت في محيط لا علاقة له البتة ببطلميوس . وهذه التنبؤات ظهرت في بادئ الأمر في مجموعة الأحاديث الصحيحة وفي أدب الترغيب والترهيب ، وقد وجدت لها تربة صالحة في الدوائر الشيعية ولم يكن من النادر نسبتها إلى أئمتهم 120 . والذي دفعنا إلى هذا الاستطراد من الحديث على الجغرافيا الرياضية إلى الحديث عن أدب الملاحم التوافق في التسمية وخوف الخلط مع « كتاب الملاحم » المنسوب لبطلميوس . - - وقد أدى التاريخ المعقد للترجمات العربية لبطلميوس إلى ضرب من الازدواج في الجغرافيا الرياضية العربية يرتبط باسمه ويقوم أساسا على سؤال مؤداه إلى أي مصدر بالذات ترتفع الرواية العلمية لهذه الترجمات ، هل إلى « المدخل إلى الجغرافيا » لبطلميوس أم إلى « الجداول المبسطة » لثاون ؟ ومما يزيد في غموض هذه الصورة ما علق بهذه المصادر من شوائب مختلفة . بيد أن كل ذلك لا يحول دون الاعتراف بالدور الرئيسي الذي لعبته مصنفات بطلميوس في تطوير الأدب الجغرافي العربي ، وقد اقترنت باسمه على الأقل ثلاثة مصنفات أخرى جرى تداولها في العالم العربي . فليس غريبا إذن إزاء هذا الاستيعاب الشامل للتراث اليوناني في ميدان الجغرافيا أن يتقهقر إلى الصف الثاني التأثير الهندي والإيراني الذي كان سائدا من قبل . غير أن الأمر لم يقف عند حد الاستيعاب الأدبي ، سواء بالترجمة أو التعديل ، بل تعداه إلى ما وراء ذلك . وقد كان البتانى مصيبا في قوله إن بطلميوس قد دعى إلى « المحنة والاعتبار بعده » . ففي هذا العصر بالذات بدأ العرب فعلا يجمعون بين الاستيعاب النظري للعلم اليوناني والتطبيق العملي لنظرياته في أبحاثهم المستقلة ، الأمر الذي تجاوزت أهميته نطاق عصرهم بكثير . فقد وصلوا إلى حساب خط منتصف النهار وضبطوا العروض والأطوال الجغرافية ووضعوا جداولهم الفلكية المستقلة على أساس المراجعة النقدية لنتائج السابقين لهم في هذا المضمار ، ورسموا خارطات لا تقل جودة عن النماذج اليونانية . ويخلو وصفهم لهذه الخارطات من ذلك العنصر الأسطورى الذي دفعنا من قبل إلى التشكك في إمكان وجود خارطات إسلامية في العهد السابق لهذا . وقد أحس العرب في أنفسهم النضج التام لإعادة تجربة اراتوسثينيس Eratosthenes في تحديد مقاس درجة من خط منتصف النهار ، دفعهم إلى هذا جرأة معهودة لدى جميع ممثلى الحضارات